إيران على أعتاب تحول تاريخي: أمريكا وتل أبيت في مأزق استراتيجي

الجزائر: مراد أوعباس
ما يجري اليوم في المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يبدو مجرد صراع عابر، بل أقرب إلى مخاض نظام إقليمي جديد يتشكل تحت النار.
اللافت في هذه المرحلة أن ما كان يُقدَّم لسنوات باعتباره “تفوقًا استراتيجيًا” للمعسكر الصهيو-أمريكي، بدأ يتآكل على وقع الوقائع الميدانية، والضربات التي يوجهها محور المقاومة، للأعداء في عدوانهم على إيران، وتعترف التقارير الاستراتيجية الموضوعية، بالانجاز الذي حققته القوات العسكرية الإيرانية، ولن یكون ممكناً الاستمرار في التعاون الأمني ضد إیران. كما أدرك العالم أن إیراناً جدیدة قد تولد من أتون هذه الحرب؛ دولة قادرة على تحدید وفرض قواعد أمنیة وجیوسیاسیة واقتصادیة جدیدة. قالقلق الذي يساور واشنطن وتل أبيب لم يعد مرتبطًا بسير المعركة فقط، بل بما بعدها: ماذا لو انتهت هذه الحرب دون أن تحقق أهدافها؟ بل ماذا لو انتهت بهزيمة مزدوجة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة؟
هذا السؤال “الكابوس”، في حد ذاته، هو جوهر المأزق.
یستعد قادة العدوان، ترامب، ونتنياهو، لخطوة انتحاریة بهدف من خلالها لقلب موازین الحرب. خطتهما تشمل حشد قوات برية في المنطقة، ونشر منظومات دفاع جوي، واستقطاب تعاون بعض الدول ومنها السعودیة والإمارات وبریطانیا، وتنشیط الشبكات الإرهابیة لخلق أزمة أمنیة في المدن وإرسال إرهابیین عبر الحدود، بالإضافة إلى استهداف البنیة التحتية الإيرانية، تتركز هذه المحاولات في إطار زمني یتراوح بین یومین وعشرة أیام، ومع ذلك، فإن العدو فوق محللين یدرك ضآلة فرص نجاح هذه الخطوة، فضلا عن تردد عديد المسؤولين المسؤولین الأمریكیین في اتخاذ هكذا خطوات، عير محسوبة العواقب في نظرهم.
مأزق يتجاوز الميدان إلى الوجود
تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن استمرار الحرب وفق المعطيات الحالية قد يقود إلى نتائج تتجاوز الخسارة العسكرية، لتطال بنية النفوذ التي شُيّدت خلال عقود، فهزيمة من هذا النوع لن تعني فقط تراجعًا تكتيكيًا، بل انهيارًا لصورة “الردع المطلق” التي قامت عليها استراتيجيات الهيمنة الأمريكية، “دركي العالم”.
الأخطر من ذلك، أن المنطقة نفسها قد تعيد تموضعها. فالدول التي راهنت على المظلة الأمنية الأمريكية قد تجد نفسها أمام واقع جديد، حيث لم يعد بالإمكان التعويل على قوة تبدو عاجزة عن حسم معركة بهذا الحجم، بعدما رفعت سقف طموحاتها، من اسقاط النظام، الى تعثرها في مجرد فتح “مضيق” لتأمين عبور السفن المحملة بالنفط.
وفي قلب هذا التحول، تبرز إيران بوصفها المرشح الأبرز لملء الفراغ، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل قادر على فرض قواعد جديدة في الأمن والسياسة والاقتصاد.
إيران… حرب بذاكرة ثلاثين عامًا
بالمقابل فإن إیران كانت على علم بهذه السیناریوهات منذ أشهر، وقد اتخذ المسؤولون السیاسیون والأمنیون فضلا عن العسکریين كامل الاستعدادات اللازمة لمواجهة هذه السيناريوهات وأخرى، فما یجري في جنوب البلاد والجزر الإيرانية، هو ثمرة ثلاثة عقود من التخطیط والتواجد المستمر للقوات المسلحة في المنطقة، إن نقل قیادة القوات البحرية إلى الجنوب، والإلمام الدقیق بجغرافیا المنطقة من قبل قادة محلیین، وإقامة بنیة تحتیة دفاعیة واسعة وغیر متوقعة في السواحل والجزر الجنوبیة، كلها عناصر تجعل أي مغامرة عسكرية في هذا المجال أقرب إلى مقامرة خاسرة.
لا يبدو أن طهران تتحرك برد الفعل، بل ما يظهر اليوم في الأفق هو نتيجة تراكم طويل من التخطيط والتحضير، فالمسرح الجنوبي، الذي يُنظر إليه كأحد مفاتيح الحسم، لم يكن يومًا فراغًا استراتيجيًا، بل مجالًا لبناء قوة متدرجة منذ عقود..
الجغرافيا… حين تتحول إلى سلاح
ليست القوة دائمًا في العتاد، أحيانًا تكون في الأرض نفسها، فارق قد يحسم المعركة، فالجنوب الإيراني، بجزره وسواحله ومضائقه، يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يمكن أن تفعله الجغرافيا في الحروب.
احتلال جزيرة أو اثنتين لا يغير المعادلة، لأن السيطرة الحقيقية تتطلب شبكة كاملة من الجزر والسواحل، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً عمليًا. والأسوأ بالنسبة للخصم، أن أي تصعيد في هذه المنطقة لن يؤدي إلى تأمين الملاحة، بل إلى العكس تمامًا: تحويل مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك مفتوحة؛ لأن أي تواجد عسكري یتطلب احتلال كل الجزر ثم الساحل الجنوبي – أمر یستحیل حتى في مخیلات كتاب سيناريوهات أفلام هوليوود، فضلاً عن الواقع. وإضافة إلى ذلك، فإن أي تحرك في الجنوب، بدلاً من أن یفتح مضیق هرمز، سیجعل الأوضاع أشد سوءاً ویحول المضیق إلى ساحة حرب شاملة، في مثل هذا السیناریو، سیصدم الاقتصاد العالمي بصدمة نفطیة غیر مسبوقة، وسترتفع أسعار الطاقة إلى مستوى یُفلس معه الصناعات المتقدمة.
وهنا، لا تعود الحرب إقليمية فقط، بل تتحول إلى أزمة عالمية. صدمة نفطية، ارتفاع جنوني في أسعار النفط، وانكشاف هشاشة الاقتصاد الصناعي العالمي.
لا مفاجآت… إلا من طرف واحد.
رغم تعدد السيناريوهات المحتملة – من نقل المعركة إلى الداخل، إلى تنفيذ عمليات إرهابية – إلا أن القراءة الإيرانية تبدو مطمئنة في نقطة أساسية: لا جديد تحت الشمس، هذه السيناريوهات ليست مفاجئة، بل خضعت لدراسات معمقة قبل اندلاع الحرب.
المعادلة هنا لافتة: بينما يستعد العدو للمفاجأة، تؤكد إيران أنها لن تُفاجأ، بل هي من قد يفاجئ.
فما يُراد له أن يكون حرب استنزاف، قد يتحول إلى فرصة استراتيجية نادرة لإيران، فحسب عدد من المراقبين، فإن الوضع الراهن يمنح فرصة تاریخیة لإیران:
- وضع نھایة قطعیة لأسطورة الجیش الأمریكي الذي لا یُقهر.
- إنهاء الحیاة السیاسیة لترامب من خلال إثبات دور نتنیاهو في جر أمریكا إلى هذه المستنقعات القذرة.
- توجیه ضربة أساسیة للعلاقات الاستراتیجیة بین أمریكا وإسرائیل
قوة تتجاوز السلاح
لا يمكن فهم الموقف الإيراني دون التوقف عند عناصر القوة غير التقليدية، فإلى جانب القدرات العسكرية والجغرافيا، هناك بعد بشري وعقائدي يلعب دورًا حاسمًا
ثمانون ملیون إیراني متحدون في الدفاع عن تراب وطنهم المفدى، اذ تمتلك إیران واحدة من أقوى القوات البریة في العالم، وهي من أعرق الدول في الحروب البریة، وتتمتع بجغرافیا معقدة ومناسبة للدفاع الوطني، أما روحیًا، فإن میراث الفكر الشیعي وعاشوراء أنتج أمة شجاعة لا تعرف الهزیمة.
كل ذلك يعيد إنتاج مفاهيم الجهاد والاستشهاد، الصمود والتضحية. في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وجود تُخاض بعقل بارد وروح متقدة.
ما بعد الحرب: نحو نظام جديد
هدف إیران یتجاوز مجرد تحقيق النصر في هذه المعركة، بل يتجاوزه الى انجاز ردع مستدام، وإزالة خیار الهجوم عن ذهن العدو عند الجلوس الى طاولة المفاوضات، فإيران بعد مواجهة دامية واستثنائية، تتطلع الى إقامة نظام جیوسیاسي جدید بأدوات سیاسیة وأمنیة واقتصادیة حدیثة، هي الأهداف الاستراتیجیة لإیران في هذه الحرب، ذلك أن الظروف المقبلة أیسر من الأیام الماضیة من عمر العدوان الغاشم، وتحقیق النصر في هذه المرحلة، مع الإدارة الجديدة التي تدير حاليا دفة المعركة حتى الآن، أمر ممكن..
المسألة تتعلق بما بعدها: فرض معادلة ردع تجعل التفكير في أي هجوم مستقبلي مغامرة غير قابلة للحساب، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفق رؤية جديدة.
معادلة قاسية
في نهاية المطاف، يجد العدو نفسه محصورًا بین خیارین أحلاهما مر: حرب كارثیة أو استسلام مخز.. وإیران خلال هذه المواجهة المفتوحة ترسخ هذه الثنائية على العدو في الأیام والأسابیع المقبلة، والبادئ أظلم.




