سياسة
إيران تنفي التفاوض وتلوّح بالرد: معادلة “لا حرب بلا كلفة” تفرض نفسها في المواجهة

الجزائر: مراد أوعباس/الوكالات
في خضم التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتكثف المؤشرات على أن المواجهة لم تعد تدار فقط في الميدان، بل أيضًا في مستوى إدارة الرسائل السياسية والاقتصادية، ففي هذا السياق، جاء النفي الإيراني القاطع لوجود أي مفاوضات مع واشنطن، في وقت كانت المنطقة والأسواق العالمية تحبس أنفاسها قبل نحو 12 ساعة من انتهاء مهلة منحها لطهران لفتح مضيق هرمز دون أي تهديدات وإلا دمّر منشآتها للطاقة بشكل كامل، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجميع بإعلانه أن الولايات المتحدة أجرت محادثات جيدة ومثمرة مع طهران، وأنه أمر الجيش بتأجيل ضرب تلك المنشآت، لإفساح المجال أمام إبرام «اتفاق جيد» في غضون 5 أيام. ويأتي هذا النفي مترافقًا مع تصعيد واضح في خطاب الردع، ليعكس محاولة طهران تثبيت معادلة جديدة للصراع.
فقد أكد رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف أن بلاده لم تجرِ أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، رداً على تراجع الرئيس الأمريكي عن مواقفه التهديدية ضد البنى التحتية الحيوية في إيران ومزاعمه بشأن إجراء مفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين رافضًا ما وصفه بـ ”الأخبار الزائفة” التي تروجها بعض الأطراف حول وجود قنوات تواصل، حيث كتب في مدونة على منصة إكس:”: إن شعبنا يطالب بمعاقبة المعتدين عقاباً كاملاً بما يجعلهم يندمون. وجميع المسؤولين يقفون بصلابة خلف قائدهم وشعبهم حتى تحقيق هذا الهدف. وأكد: لم تُجر أية مفاوضات مع الولايات المتحدة.
وقال رئيس مجلس الشورى الإسلامي : إن الأخبار الزائفة (فيك نيوز) تهدف إلى التلاعب بالأسواق المالية والنفطية، والفرار من المستنقع الذي وقعت فيه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وربط قاليباف هذه الروايات بمحاولات التلاعب بالأسواق المالية والنفطية، معتبراً أنها تأتي في سياق سعي واشنطن وحلفائها إلى احتواء تداعيات الأزمة التي انخرطوا فيها. هذا النفي لا يبدو مجرد موقف دبلوماسي، بل يعكس توجهًا إيرانيًا واضحًا لفصل مسار المواجهة العسكرية عن أي ضغوط سياسية أو إعلامية، خاصة في ظل حديث أمريكي متكرر عن “خيارات تفاوضية” تزامن مع تراجع نسبي في حدة التهديدات.
في المقابل، رفعت طهران سقف ردها المحتمل على أي استهداف لبناها التحتية، حيث شدد مجلس الدفاع الإيراني على الالتزام برد “حاسم ومباشر ومدمر” على أي اعتداء يطال منشآت الطاقة أو البنية الحيوية. كما وضع شرطًا لافتًا يتعلق بالملاحة الدولية، مؤكدًا أن عبور الدول غير المعادية لمضيق هرمز يظل مرهونًا بالتنسيق مع إيران، في إشارة واضحة إلى استخدام الجغرافيا الاستراتيجية كأداة ضغط في سياق الصراع.
هذا التوجه تعززه تصريحات الحرس الثوري الإيراني، الذي أكد أن أي استهداف لمحطات الطاقة الإيرانية سيُقابل برد بالمثل، يشمل منشآت الطاقة في إسرائيل، إضافة إلى البنى التحتية في دول إقليمية ترتبط بالقواعد الأمريكية أو تدعم عملياتها، وفي وقتٍ سابق، أكد حرس الثورة الإسلامية في إيران، عزم طهران الرد على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتداء على محطات الطاقة في البلاد، لتحقيق الردع. قال الحرس إنّ ترامب هو من هدد بمهاجمة محطات الكهرباء في البلاد، ومن الطبيعي أن الهجوم عليها سيعطّل العديد من الخدمات الإنسانية كالمستشفيات ومراكز الإسعاف وشبكة المياه ومحطات التحلية “وهو عمل غير إنساني أبداً”، واصفاً ترامب بـ”الإرهابي”.
وفي السياق ذاته، كشف مصدر أمني–سياسي إيراني رفيع أن طهران تحتفظ بجاهزية كاملة لتوجيه “ضربات شديدة وقاسية وشاملة” ردًا على أي هجوم، مؤكدًا أن القرار الإيراني لا يتأثر بالحملات الإعلامية أو الضغوط السياسية.
كما أشار إلى أن طبيعة البنية التحتية الإيرانية، من حيث الانتشار الجغرافي والتخطيط، تجعل من الصعب تعطيلها بشكل كامل، وهو ما يعزز ثقة طهران في قدرتها على امتصاص الضربات والاستمرار في المواجهة.
على المستوى السياسي، قدّم عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية علاء الدين بروجردي قراءة أوسع للأزمة، حيث اعتبر أن الحديث الأمريكي عن مفاوضات يندرج ضمن محاولات التأثير على الرأي العام والأسواق، مؤكدًا في الوقت نفسه أن أي مسار لإنهاء الحرب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح حلفاء إيران الإقليميين، وخاصة حركات المقاومة.
كما أشار إلى أن بعض التراجع في المواقف الأمريكية قد يكون نتيجة ضغوط إقليمية، لا سيما من دول تخشى تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة.
مجمل هذه المواقف تكشف أن إيران لا تتجه فقط نحو التصعيد، بل تعمل على إدارة الصراع ضمن معادلة مركبة تقوم على ثلاثة عناصر: نفي التفاوض تحت الضغط، رفع سقف الردع، وتوسيع نطاق الكلفة لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية. في المقابل، يبدو أن الخطاب الأمريكي يعيش حالة تذبذب بين التهديد والتلويح بالتفاوض، وهو ما يمنح طهران مساحة لتعزيز روايتها القائمة على الثبات والوضوح في القرار.
في المحصلة، لا تعكس هذه التطورات مجرد تبادل للتهديدات، بل تشير إلى تشكل معادلة ردع جديدة في المنطقة، عنوانها: لا استهداف بلا رد… ولا حرب بلا كلفة.




