إيران تجتمع على الوفاء لقائدها: الملايين تتوافد إلى طهران لتوديع علي الخامنئي

مبعوث 24 ساعة الى طهران/ مراد أوعباس
ارتدت طهران السواد… مدينة بأكملها تبدو وكأنها تعيش حداداً مفتوحاً، فمنذ الإعلان عن انطلاق مراسم توديع السيد علي الخامنئي، المرشد الثاني للثورة الإسلامية، تحولت العاصمة الإيرانية إلى لوحة يغلب عليها اللون الأسود، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها الرجل على رأس الجمهورية الإسلامية.
في الشوارع والساحات والأنفاق والجسور، ترتفع صور القائد الإيراني مرفقة بمقتطفات من خطاباته التي لا يزال كثير من الإيرانيين يرددونها عن ظهر قلب، كلمات يعتبرها أنصاره جزءاً من ذاكرة الثورة، فيما يرى كثير ممن التقيناهم أن سنوات قيادته شهدت تحولات كبرى، خاصة بعد خروجها من حرب مكلفة بعد ثماني سنوات من الحرب المفروضة كما يقولون من طرف نظام صدام حسين، حيث تحمل ثقل “الأمانة” بعد رحيل مؤسس ومرشد الأول للثوة الإسلامية الامام الخميني، وتفرغ بعد تلك الحقبة الصعبة، في بناء مؤسسات الدولة، وبسط العدالة الاجتماعية، أو في تطوير القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية التي يعدونها أحد أبرز منجزات الجمهورية الإسلامية.
ومع الاقتراب أكثر من قلب العاصمة، تتضح ملامح الاستعدادات لجنازة توصف بأنها الأكبر في تاريخ إيران الحديث، خيام نصبت على امتداد الشوارع لاستقبال المشيعين، ومتطوعون يوزعون الماء والطعام والمشروبات على الوافدين، فيما خصصت خيام أخرى لتلاوة القرآن الكريم وإقامة مجالس الدعاء والإنشاد في ذكرى القائد الراحل.
ومع تدفق الملايين من مختلف المحافظات الإيرانية، تتحول شوارع طهران إلى مسارات بشرية لا تكاد تنقطع.
وسط إحدى الساحات، وقفت امرأة تستمع إلى التراتيل، وهي ترفع صورة الخامنئي، بينما كانت الدموع تملأ عينيها، وعلى مقربة منها، التقينا علي، الذي قدم من إحدى المحافظات الإيرانية برفقة زوجته وابنته للمشاركة في مراسم الوداع، ويقول: “نحن في حزن شديد على رحيل قائدنا الإمام الشهيد علي الخامنئي. كان أباً لكل الإيرانيين، وحاضراً في بيوتهم من خلال دوره كمرشد وموجه للأمة الإيرانية. ومنذ أن أعلنت الحكومة موعد التشييع، بدأنا الاستعداد للحضور إلى طهران لإلقاء النظرة الأخيرة عليه.”
في المقابل، تبدو الأجهزة الأمنية في حالة استنفار كاملة، رجال الشرطة ينظمون حركة المرور، فيما أغلقت بعض الطرق وخصصت أخرى للمشاة، تحسباً للأعداد الضخمة من المشاركين. كما ينتشر أفراد قوات الباسيج في مختلف شوارع العاصمة للمساهمة في تأمين مراسم التشييع، التي تتوقع السلطات أن يشارك فيها نحو خمسة عشر مليون شخص، إلى جانب وفود قادمة من خارج إيران.
أما في مصلى طهران الكبير، حيث سُجي جثمان السيد علي الخامنئي إلى جانب ابنته وحفيدته، فإن المشهد يأخذ بعداً مختلفاً.
آلاف الإيرانيين ينتظرون في صفوف طويلة لإلقاء النظرة الأخيرة على قائدهم. وبالتزامن مع وصولنا إلى ساحة المصلى، دوى السلام الوطني الإيراني، فتوقف الجميع واقفين في لحظة صمت مهيبة.
وفي قلب الساحة، ترتفع ثلاثة نعوش مغطاة بالزجاج، وعلى نعش الخامنئي تبدو عمامته السوداء اسفلها كوفة فلسطينية، بينما يعود النعشان لزوجته وحفيدته، فيما ارتفعت الأدعية والابتهالات من آلاف المشيعين الذين توافدوا من مختلف أنحاء البلاد.
ورغم الحزن الذي ارتسم على الوجوه، كان كثيرون مستعدين للحديث.
حسين، وهو شاب جاء من مدينة أخرى للمشاركة في مراسم الوداع، قال: “كرّس سيدنا المرشد حياته من أجل فلسطين والدفاع عن المستضعفين وكرامة المسلمين، وواجه بشجاعة الاستكبار العالمي. لقد استشهد في بيته مع عدد من أفراد أسرته وكبار قادة الثورة. كان بإمكانه أن يختبئ في ملجأ محصن، لكنه اختار أن يبقى مع شعبه حتى النهاية“، وبجواره كان يجلس علي، وهو يتحدث بلهجة عربية ممزوجة بالفارسية، قائلاً: “أستغرب كيف يعتبر الرئيس الأميركي اغتيال قائدنا إنجازاً. لقد كان في بيته، لم يهرب ولم يغيّر مكان إقامته. ما حدث كان استهدافاً جباناً، وما يؤلمنا أكثر أن هذه الجريمة لم تلقَ الإدانة التي تستحقها، ولذلك نطالب بالانتقام لدمه.”
ومع حلول الليل، لم تتوقف حركة الوافدين إلى المصلى. آلاف المعزين ظلوا يتوافدون حتى ساعات متأخرة لإلقاء النظرة الأخيرة على الرجل الذي قاد الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثين عاماً، وترك بصمة عميقة في تاريخها السياسي، وواجه الاستكبار بإرادة وعزيمة رجل بمثابة امة كما يصفه الإيرانيون.
هكذا تبدو طهران اليوم… مدينة خرجت لتوها من حرب قاسية، لكنها تستعد في الوقت نفسه لتشييع قائدها في جنازة استثنائية، وبين السواد الذي يكسو شوارعها، والحشود التي تتدفق من مختلف أنحاء البلاد، تحاول إيران أن تقدم صورة لدولة تمكنت، رغم آثار الحرب، من تنظيم حدث تاريخي غير مسبوق، قد يسجل كواحد من أكبر مواكب التشييع في التاريخ.




